محمد جمال الدين القاسمي
127
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والسؤال به . كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين . ومن يعتقدون فيه الصلاح . وحينئذ ، فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين . ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة . فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء ، فأحدهما هو أصل الإيمان والإسلام ، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته . والثاني دعاؤه وشفاعته كما تقدم . فهذان جائزان بإجماع المسلمين . ومن هذا قول عمر بن الخطاب « 1 » : اللهمّ ! إنّا كنا إذا أجدبنا توسّلنا إليك بنبينا فتسقينا ، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا . أي بدعائه وشفاعته . وقوله تعالى : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أي : القربة إليه بطاعته . وطاعة رسوله طاعته ؛ قال تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 81 ] ، فهذا التوسل الأول هو أصل الدين ، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين . وأمّا التوسّل بدعائه وشفاعته - كما قال عمر - فإنه توسّل بدعائه لا بذاته ، ولهذا عدلوا عن التوسّل به إلى التوسل بعمه العباس ؛ ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس . فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس ، علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته . بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له ، فإنه مشروع دائما . فلفظ التوسل يراد به ثلاث معان : ( أحدهما ) التوسّل بطاعته . فهذا فرض لا يتمّ الإيمان إلّا به . و ( الثاني ) التوسّل بدعائه وشفاعته وهذا كان في حياته ، ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته . و ( الثالث ) التوسّل به . بمعنى الإقسام على اللّه بذاته والسؤال بذاته . فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه ، لا في حياته ولا بعد مماته ، لا عند قبره ولا غير قبره ، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم . وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة . أو عن من ليس قوله حجة ، وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه ، إنه لا يجوز . ونهوا عنه حيث قالوا : لا يسأل بمخلوق ، ولا يقول أحد : أسألك بحق أنبيائك . قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى ب ( شرح الكرخي ) في باب الكراهة : وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة . قال بشر بن الوليد : حدّثنا أبو يوسف قال : قال أبو حنيفة : لا ينبغي لأحد أن يدعو إلّا به . وأكره أن يقول : بمعاقد العز من عرشك ، أو بحق خلقك . وهو قول أبي يوسف . قال أبو يوسف : بمعقد العز من عرشه هو اللّه . فلا أكره هذا . وأكره أن يقول : بحق فلان ، أو بحق أنبيائك ورسلك ، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الاستسقاء ، 3 - باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا ، حديث 572 .